عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
466
اللباب في علوم الكتاب
وأظهروا النّدم على ما فعلوه ، وتابوا عنه واستغفروا عنه ، واستغفر لهم الرّسول بأن يسأل اللّه أن يغفر لهم ، وجدوا اللّه توّابا رحيما . الثاني : قال الأصم « 1 » : إن قوما من المنافقين اتّفقوا على كيد الرّسول - عليه الصلاة والسلام - ، ثمّ دخلوا عليه لأجل [ ذلك الغرض ، فأتاه جبريل - عليه السلام - فأخبره به ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن قوما ] « 2 » دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه ، فليقوموا وليستغفروا اللّه حتّى أستغفر لهم ، فلم يقوموا ، فقال : ألا تقومون ؛ فلم يفعلوا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : قم يا فلان ، قم يا فلان ، حتّى عدّ اثني عشر رجلا منهم ، فقاموا وقالوا : كنّا عزمنا على ما قلت ، ونحن نتوب إلى اللّه من ظلمنا أنفسنا ، فاستغفر لنا . فقال : الآن اخرجوا ، أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار ، وكان اللّه أقرب إلى الإجابة ، اخرجوا عنّي . فإن قيل : أليس لو استغفروا اللّه وتابوا على وجه [ صحيح ] « 3 » ، لكانت توبتهم مقبولة ، فما فائدة ضمّ استغفار الرّسول إلى استغفارهم ؟ فالجواب من « 4 » وجوه : أحدها : أن ذلك التّحاكم إلى الطّاغوت كان مخالفة لحكم اللّه - تعالى - ، وكان إساءة للرّسول - عليه السلام - وإدخالا للغمّ في قلبه ، ومن كان ذنبه كذلك ، وجب عليه الاعتذار عن ذلك لغيره ؛ فلهذا المعنى وجب عليهم إظهار طلب الاستغفار [ من الرّسول ] « 5 » . ثانيها : أنّهم لمّا لم يرضوا بحكم الرّسول - عليه السلام - ، ظهر منهم التمرّد ، فإذا نابوا ، وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التّمرّد ؛ بأن يذهبوا إلى الرّسول ويطلبوا منه الاستغفار . وثالثها : أنهم « 6 » إذا أتوا بالتّوبة أتوا بها على وجه خلل ، فإذا انضمّ إليها استغفار الرّسول ، صارت محقّقة القبول ، وهذه الآية تدلّ على أن اللّه - تعالى - يقبل التّوبة ؛ لقوله : « لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 65 ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) في سبب النّزول قولان :
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 130 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : في . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) في ب : لعلهم .